الشيخ محمد رشيد رضا
252
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك ؟ » " والمائدة في اللغة الخوان الذي عليه الطعام ، فإذا لم يكن عليه طعام لا يسمى مائدة ، وقد يطلق لفظ المائدة على الطعام نفسه حقيقة أو مجازا من اطلاق اسم المحل على الحال ، وهو اسم فاعل من ماد بمعنى تحرك أو من ماد أهله بمعنى نعشهم كما في الأساس أي أعاشهم وسد فقرهم ، كأنها هي تميد من يجلس إليها ويأكل منها . وقيل إنها بمعنى اسم المفعول على حد : عيشة راضية قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي قال عيسى لهم اتقوا اللّه أن تقترحوا عليه أمثال هذه الاقتراحات التي كان سلفكم يقترحها على موسى لئلا تكون فتنة لكم فان من شأن المؤمن الصادق الايمان أن لا يجرب ربه - أو أن يعمل ويكسب ولا يطلب من ربه أن يعيش بخوارق العادات ، وعلى غير السنن التي جرت عليها معايش الناس . أو المعنى اتقوا اللّه وقوموا بما يوجبه الايمان من العمل والتوكل عسى أن يعطيكم ذلك ، من باب قوله تعالى ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * * * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي نطلبها لثلاث فوائد ( إحداها ) اننا نريد أن نأكل منها لأننا في حاجة إلى الطعام ولا نجد ما يسد حاجتنا ، وقيل المراد أكل التبرك ( الثانية ) نريد أن تطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة اللّه بمشاهدة خرقه للعادة ، أي بضم علم المشاهدة واللمس والذوق والشم إلى علم السمع منك وعلم النظر والاستدلال ( الثالثة ) أن نعلم هذا النوع من العلم - أي علم المشاهدة - أن الحال والشان معك هو انك قد صدقتنا ما وعدتنا من ثمرات الايمان ، كاستجابة الدعاء ولو بخوارق العادات ( الرابعة ) أن نكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل فيؤمن المستعد للايمان ويزداد الذين آمنوا ايماناء - فهذا ما نراه في توجيه أقوالهم ، على المختار من صحة ايمانهم * * * قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي لما علم عيسى عليه السّلام صحة قصدهم وأنهم لا يريدون تعجيزا ولا تجربة دعا اللّه تعالى بهذا الدعاء ،